Institute for Foreign Cultural Relations نفس – مجلة الفن

أرسل المقال |  طباعة

فبراير 2008

نفس  |  مشهد فني  |  فلسطين

وراء الجدار
بقلم: ميركو هينمان

>> صور
12 صفحة صور

اوركسترا ترانسفورم
مشروع فني لفنانين فلسطينيين وألمانيين، يتطرق لموضوع الهدر في قلسطين.

يعرض في اطار مهرجان ترانسميديال في برلين

29 يناير – 3 فبراير 2008


فلسطين

 فلسطين :خريطة

 

المشهد الفني في المناطق الفلسطينية صغير ومسيس بشدة. حاليا، تعرض بعض أعماله في ترانسميديال، برلين.

حاجز قلنديا حافل بذكريات المعبر الحدودي في برلين المقسمة. قوالب اسمنتية ضخمة على جوانب الطرق توجه المرور. الباصات والشاحنات والسيارات الخصوصية تنتظر لتعبر.

في كل جانب، الجدار الحدودي الرمادي الضخم يمتد الى الأفق، حيث يختفي في الضباب المغبر. في الجانب الفلسطيني، ينتظر المسافرون في خطوط طويلة أمام البوابات الدوارة المغلقة الى حين ان يدعوهم صوت فظ للشباك الملائم.

ديانا مرضي تحمل ميكروفونا خلال القضبان، وتسجل الأصوات وتجري مقابلات. امرأة من رام الله تقول أنها تريد زيارة ابنها في المستشفى في القدس. هي تقف في الدور هنا في قلنديا كل يوم لدخول اسرائيل؛ لكنها ممنوعة من النوم هناك.

ديانا مرضي في منتصف الثلاثينيات. هي فنانة وتجمع مادة. في خريف 2007، حوالي دزينتين من الرسامين والمصورين والفنانين التصويريين من الضفة الغربية وغزة اجتمعوا مع المجموعة الفنية الألمانية "مصنع بلاكهول" ليعملوا على تركيبات أفلام فيديو وتسجيلات تفاعلية – والقمامة المجموعة في مقالب النفايات، المعرض، الذي حمل عنوان الاوركسترا تراسفورم، أقيم في غزة والقدس وسيعرض في اطار المعرض الفني ترانسميديال 2008، الذي يبدأ اليوم في برلين.

الهدر كان أيضاً مهمة ديانا مرضي في ذلك اليوم المليء بالغبار في اكتوبر. "هدر الوقت" هو اسم موضوعها. منذ أن قسمت اتفاقية اوسلو الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق تفصلها الحواجز، أصبح السفر يلتهم وقت الفلسطينيين. "لاأحد يستطيع أن يقول متى سيصل إلى أي مكان"، تقول ديانا مرضي. "لايمكن التقيد بالمواعيد؛ يقضي المرء معظم حياته في الانتظار." رفعت قطعة بلاستيكية. انها غطاء الجواز القلسطيني.

ديانا مرضي فلسطينية، ولكنها أيضاً مواطنة اسرائيلية. كبرت بالقرب من تل أبيب. وزوجها فلسطيني من رام الله، ولكن السلطات الاسرائيلية لاتعترف بهذا الزواج. ديانا تعيش مع طفليها في إسرائيل، لأن نظامي الصحة والتعليم هناك أفضل. لم يصل زوجها أبداً لبيتها؛ فهو لايستطيع الحصول على تصريح دخول. هنا أيضاً: مضيعة للوقت. تمضي السنون ولاتستطيع عائلة مرضي أن تجتمع.

أن تكون فنانا في المناطق الفلسطينية هو تحدي من نوع خاص. رام الله، مقر سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية والى حد ما عاصمة الضفة الغربية، عدد سكانها أقل من 60000 نسمة. هنا يوجد على الأقل، مسرح، ومدرسة فنون وقصر ثقافة. لكن المشهد الفني يمكن مسحه بسهولة.

ما الذي يحفز فنانا في مواجهة هذه المشاكل الوجودية؟ "هو محاولة العيش كأي فرد آخر في هذا البلد"، يوضح مجدي حديد، وهو مصور عمره 32 عام. "تستطيع فلسطين أن تقدم ما هو أكثر من مجرد أزماتها السياسية." فهي تزخر بطموح نبيل في خضم اليأس. مفاوضات السلام لا تلقى سوى الاستهزاء بها من قبل الكثير من الفلسطينيين.

خيبات الأمل كانت ترافق مجدي حديد طوال حياته، أيضاً. هو ينحدر من عائلة أسست رام الله يوما ما؛ هو كبر هنا، بأمل في السلام. وكمعظم زملائه، لايستطيع العيش من معارضه وحدها. وهو يكسب قوته من العمل في وكالة اعلانات. منذ سنوات قليلة مضت، أتى مجدي حديد إلى برلين لأسبوعين من خلال منحة فنان. كانت لديه أفكار لعمل مقارنة بين رام الله وبرلين – وقد كان يفكر بجدار برلين. لكن بعد 15 عاما من سقوطه كان من الصعب عليه أن يجد آثارا له. "بينما لديكم بلدان ينموان معاً، بالنسبة لنا بلد واحد يتم تقسيمه،" هو يتأمل. فنه مفعم بالشوق. لما هو بعيد. للطفولة.

مجدي حديد يقود سيارته الصغيرة خارج رام الله، ويعود 20 عاما إلى الوراء. هو يقف عند وادي نهر يخدد الأرض. تدفقات جداول المياه النحيلة خلال بحر من نبات النعناع ذو الرائحة الذكية. لكن ماء النهر اصطبغ بلون أحمر؛ القمامة مترسبة في كل مكان. ثم بنى الاسرائيليون مستوطنة على الجبل المقابل له. ومنذ ذلك الحين، برز طريق مشدد الحراسة ليفصل الوادي الخصيب عن رام الله. ولايمكن الوصول للوادي الا من خلال طريق التفافي طويل. منذ ذلك الحين، اصبح الوادي لقيطا، وتدهور حاله حتى بات مكبا للنفايات. مجدي حديد يلتقط صورا. الفن سياسة. حتى في هذا الوادي البعيد.

الوان مائية تلوح في غرف منتدى الفنانين الصغار، رام الله. كلما خضنا في الزمن مدة أطول، كلما برز عنفوان تلك الرائحة. هنا يعمل الفنانون في مواضيعهم، بين النفايات. محمد حرب وشريف سرحان من غزة يحضران عبر أثير الاتصال الهاتفي. الفنانون الفلسطينيون أيضاً يعملون في هذا المشروع. ولكن غزة مغلقة ويلفها الحصار، ولم يستطع أي من المشاركين الاثنين الحصول على تصريح لاجتياز اسرائيل للمجيء للضفة الغربية. قاطع الاتصال التلفوني أصوات دخيلة وأجراس تلفونية؛ وانقطع الاتصال عدة مرات نهائياً، كما لو أن المرء يتحدث مع رواد سفينة فضائية.

"لعدة أشهر لم يكن ممكناً جلب فنانين من غزة إلى رام الله،" يقول فريد المجري. مدير معهد غوث (Goethe Institute )، الذي يدعم المشروع، وهو غير قادر على اخفاء سخطه. "فلسطين في الواقع مقسمة. من الصعوبة بمكان ايجاد اي اتصال وخصوصا عدم وجود حرية في السفر بين الشطرين." وحتى أن مؤسسة ثقافية ألمانية تواجه صعوبات محزنة يومياً، بسبب الوضعين السياسي والعسكري القائمين. عندما أراد الفنانون أن يجمعوا مادة من مكب للنفايات في نابلس، منعهم حراس الحدود الاسرائيليون من الدخول.

الفنانون الألمان، أيضاً، مستغربون من التوجه السياسي لعملهم. "مهما كان موضوع حديثنا مع الناس: كلهم يتطرقون للخلفية السياسية في حديثهم،" تقول الكي اوترموهلن وهي من مجموعة "مصنع بلاكهول". أنها هي شعرت بذلك بقوة عندما كانت في زيارة مكبات النفايات في الضفة الغربية برفقة زملاء فلسطينيين. وكانت النتيجة تلاحم المجموعة معاً. بحث الفنانون عن مادة لأعمالهم التركيبية، وأجروا مقابلات مع عمال القمامة، ووثقوا عمل هؤلاء.

بشار زعرور وامام أبو حسنية اعتقدوا ان فكرة زيارة مكبات النفايات بدت جنونية تماماً. ولكنهم شرعوا بذلك. لم تكن لديهم أدنى فكرة بأن الأطفال يعملون في أماكن قذرة غير مرخصة في رام الله ونابلس والخليل. يقوم الأطفال بتفنيد مواد يعاد تصنيعها ويحرقون فرشات لاسترجاع الزمبركات المعدنية – عمل شاق في بيئة ملوثة ونتنة. تسيل الدموع من عيني امام حسنية عندما يروي القصة.

هذه الأماكن القذرة هي كارثة بيئية: بنزين، زيوت وأحماض – جميعها تسيل في المياه الجوفية. وجدت المجموعة نفايات أدوية من مستشفيات تم رميها بدون تفكير. وملفات مرضى بأسمائهم الكاملة، وتشخيص حالات مرضية، وصور أشعة.

بشار زعرور استخدم المادة من مكب النفايات في نابلس لبناء رجل يدلي رأسه أسفل قدم في الهواء. كرة قدم قديمة هي الرأس، وساريات خشبية هي الأقدام. بالنسبة لبشار زعرور، هذا شكل أوراق شدة للحظ، ترمز للوضع المأساوي الذي يجد الفلسطينيون أنفسهم فيه. "بالنسبة لي، العالم منقلب رأساً على عقب،" هو يقول.


ميركو هينمان
العلوم السياسية، وعلم الأعراق البشرية. مستقل. مواليد ثيسولانيكي، اليونان، درس الصحافة، مراسل، جورناليستينبيورو Journalistenbüro برلين.


(الترجمة من الانجليزية: جعفر فلفل - رانية فلفل)


النص للطباعة  |  أرسل هذه المقالة



  trans4m orchestra

 

Sharif Sarhan & Ahmad Nassar

 

Majdi Hadid

 

blackhole-factory

 

Imam Al Hasnaya

 

Diane Mardi

 

نَفَس  |  مشهد فني  |  فلسطين

© جميع الحقوق محفوظة

إتصل بنا  |   مقدمة الناشر وحقوق النشر  |   النشرة الدورية  |   بحث  |   UiU - home