|
بشرى المتوكل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، شكلت الكمائن الإيديولوجية التي نصبت إزاء الدول العربية والإسلامية محور تركيز موجة تفكّك أثّرت في عدة فنانين مرئيين معاصرين من هذا الجزء من العالم. وقد دفعت هذه المخاوف بالتحديد المصوّرة الفوتوغرافية اليمنية بُشرى المتوكل التي كانت حينها تتابع دراستها في الولايات المتحدة إلى إيلاء اهتمام خاص بعبارات الكاتبة والروائية المصرية نوال السعداوي بشأن الكمائن المسيطرة على آراء الأفراد حول جسد المرأة. واللافت أن السعداوي المعروفة بالانتقادات التي توجّهها إلى النظام الطبقي الأبوي ومناهضتها ختان المرأة، قالت مرة في محاضرة ألقتها إنها تشعر بأن "المرأة التي ترتدي الحجاب أو النقاب [1] تشبه المرأة التي تتبرّج بمعنى أنهن جميعاً يُخفين هويتهن الحقيقية" [2]. وقد اعتبرت بشرى المتوكل، وهي مصوّرة فوتوغرافية يمنية رائدة في هذا المجال، أن هذه الأفكار محفّزة وقرّرت تفسيرها فوتوغرافياً. وكما تذكر، بعد وقوع أحداث 11 أيلول/سبتمبر، برزت نزعة تميل إلى تضخيم كل ما هو "شرق أوسطي" سواء من ناحية تصوير العرب والمسلمين كشياطين وتشويه سمعتهم أو تصويرهم بطريقة رومانسية. وعلى حد قولها: "يمثل جزء من هذه الرومانسية طريقة تصوير المرأة الشرق أوسطية فنياً على أنها مخلوقة مذهلة وغامضة". وأرادت بشرى من خلال أعمالها أن تتحدّى "وجهات النظر والآراء والنماذج المتكرّرة الغربية والعربية والإسلامية" بمسعىً منها إلى "النظر إلى الأمور من نواحي وزوايا مختلفة والاقتراب من الطبقات المتعددة" التي تراها في هذا الموضوع.
سلسلة الحجاب وتنبع هذه المقاربة المرحة المرتبطة بأنماط ارتداء الحجاب من تطوّر عملها الذي تُحقِّق بموجبه في طريقة تغطية المرأة جسدها بشكل تدريجي في خلال السنوات المنصرمة في اليمن [4]. ومن خلال نظرة تفكيكية تستكشف من خلالها جسد المرأة المُحجّبة وغير المحجبة بالنقاب أو الحجاب أو البالطو، تتلاعب المتوكل بهذه النماذج المتكررة، ما يضع المرأة في موقع مثير للجدل بشكل لعوب. وبناء عليه، لم يشكّل النقاب موضع نقد وإنما وسيلة لتصوير عيني المرأة وهي تلعب وتقوم بأمور مضحكة بوجهها، إنها وسيلة للتعبير وليس لجعل المرأة ضحية للملابس التي ترتديها. أما الحجاب فيمكن استخدامه كاستفزاز للخطابات السياسية التي تدور في الوقت الراهن حول سياسة العرب المسلمين بما أنها تستخدم العلم الأمريكي لتغطية شعر فتاة أمريكية. كذلك، يظهر كل من الحجاب والنقاب وهما يغطيان امرأة شابة في مقابل المرأة نفسها التي "تغطي" وجهها بمساحيق التجميل. وتعمد المتوكل بطبيعة الحال إلى التلاعب بالجانب المضحك من هذه التناقضات ولا سيما عندما تصوّر زوجان يرتديان الملابس التقليدية اليمنية وتكشف بشكل تدريجي عن المرأة في حين أنها تغطي الرجل لينتهي الأمر بالمرأة وهي ترتدي ملابس عادية والرجل مغطى بشكل كامل بالبالطو والنقاب. وقد قامت ولا تزال تقوم باستكشاف قطع الملابس هذه على أنها جزء من الحياة اليومية في بيئتها. وشدّدت في ما يتعلق بالحجاب: "ارتديته عندما درست في الخارج وأنا أرتديه وأتكلم انطلاقاً من تجربتي الشخصية. وهو عبارة عن صورة رمزية مؤثرة لدرجة أنها تفرض ردّ فعل فورياً. وفي الوقت الحالي، تتركّز الآذان والعيون علينا. ولهذا السبب، يتعين علينا الاستفادة من كوننا محط اهتمام الناس واقتراح مقاربة أكثر تعقيداً من المقاربة التي تطرحها وسائل الإعلام". تحدّي النماذج المتكررة ؟ إن تجارب تحديد الهوية هذه دفعت بشرى المتوكل إلى استكشاف نفسها والاستعمالات السياسية لثقافتها بنية الابتعاد عن التمثيلات المستشرقة. أما في ما يتعلق بالخطر المحتمل المتمثل بتفسير عملها على أنه مستشرق، فهي تشدّد على أنها حينما تتكلم انطلاقاً من تجربتها الشخصية، تحاول الابتعاد عن الجزء الجمالي في الموضوع والآراء ووجهات النظر الغريبة بشأن الحجاب. ولكنه يمكن القول إن عملها لا يزال ينقل نموذجاً متكرراً مرئياً لنوع معيّن من المرأة المسلمة في الوقت نفسه الذي حاولت فيه التساؤل حول هذا النموذج. هل يشكل عملها نموذجاً متكرّراً لنموذج متكرّر؟ كلا، إنها لا تعتبر عملها مثيراً للجدل لأنها لم تختبر كل الحدود. وفي حين أنها تفترض بأن عملها يتوجّه أكثر إلى الجمهور الغربي، تقرّ بأنها لا تزال تشعر بالتردد حيال ردود فعل مواطني بلدها. ومع أن فن التصوير الفوتوغرافي يكتسب مكانة مرموقة ضمن الفنون المرئية اليمنية التي يسيطر عليها الرسامون منذ ستينات لبقرن المنصرم، إلا أنه لا يزال مجالاً يولّد الكثير من الانتقادات عندما يتعلق الأمر بجسد المرأة ولا سيما إن كانت هذه المرأة يمنية. واللافت أن عدة فنانين مرئيين من اختصاصات مختلفة يترددون ويميلون إلى التراجع عندما يدنو عملهم من بعض المواضيع التي تتخطى "الحدود المحظورة" في اليمن (نذكر على سبيل المثال الجسد والدين والانتقادات الموجّهة إلى الحكومة). وبما أن جسد المرأة يشكّل أحد هذه المواضيع، فقد يوحي عمل بشرى المتوكل بأنه يندرج ضمن المقاربات الحالية المثيرة للنزاعات. على أي حال، لم يؤدِ عملها بعد إلى نشوء خطاب بديل لنظرة المجتمعات إلى النساء العربيات ولا سيما المسلمات منهن أو أنماط التحجّب وإنما قد يكون على المسار الصحيح الذي سيفضي إلى هذه الغاية. ومع أن الفنانة تدافع عن درجة معينة من الحياد في مقاربتها وإرادتها التي تدفعها إلى التساؤل، إلا أنه من المحتمل أن يقوم عملها بتحويل الخطابات السائدة من الداخل خاصةً إذا كان يمنح الجمهور اليمني امتيازاً بدلاً من الجمهور الغربي. وهو سؤال يستحق أن ننتظر الإجابة عليه. ملاحظات:
النشرة الدورية:
|
|









